ابن أبي الحديد
21
شرح نهج البلاغة
لكن قاتله من لا نظير له * وكان يدعى أبوه بيضة البلد ( 1 ) وانتبه يوما معاوية ، فرأى عبد الله بن الزبير جالسا تحت رجليه على سريره ، فقعد ، فقال له عبد الله يداعبه : يا أمير المؤمنين ، لو شئت أن أفتك بك لفعلت ، فقال : لقد شجعت بعدنا يا أبا بكر ، قال : وما الذي تنكره من شجاعتي وقد وقفت في الصف إزاء علي بن أبي طالب ! قال : لا جرم إنه قتلك وأباك بيسرى يديه ، وبقيت اليمنى فارغة ، يطلب من يقتله بها . وجملة الامر أن كل شجاع في الدنيا إليه ينتهي ، وباسمه ينادى في مشارق الأرض ومغاربها . * * * وأما القوة والأيد : فبه يضرب المثل فيهما ، قال ابن قتيبة في " المعارف " : ( 2 ) ما صارع أحدا قط إلا صرعه . وهو الذي قلع باب خيبر ، واجتمع عليه عصبه من الناس ليقلبوه فلم يقلبوه ، وهو الذي اقتلع هبل من أعلى الكعبة ، وكان عظيما جدا ، وألقاه ( 3 ) إلى الأرض . وهو الذي اقتلع الصخرة العظيمة في أيام خلافته عليه السلام بيده بعد عجز الجيش كله عنها ، وأنبط ( 4 ) الماء من تحتها . وأما السخاء والجود : فحاله فيه ظاهرة ، وكان يصوم ويطوي ويؤثر بزاده ، وفيه أنزل " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا . إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا " ( 5 ) . وروى المفسرون أنه لم يكن يملك إلا أربعة دراهم ، فتصدق بدرهم ليلا ، وبدرهم نهارا ، وبدرهم سرا ، وبدرهم علانية ، فأنزل فيه : " الذين
--> ( 1 ) بيضة البلد ، يريد علي بن أبي طالب ، أي أنه فرد ليس مثله في الشرف كالبيضة التي هي تريكة وحدها ، ليس معها غيرها ، كذا فسر في اللسان . ( 2 ) المعارف ص 90 ( 3 ) ب : " فألقاه " . ( 4 ) ب : " فأنبط " . ( 5 ) سورة الانسان 9 ، 10 .